فتحي حبيب يكتب: تسامحوا وتصافحوا.. إنها ليلة النصف من شعبان

تعيش معظم البيوت المصرية سواء في الريف أو المدن حالة من الجفاء والخصام لأسباب عديدة وأغلبها واهية بفعل الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والكِبر “بكسر الكاف” وعدم الإذعان للحق و غياب العدل.
دبت الخلافات لأتفه الأسباب وسادت حالات الجفاء والخصومة بين أفراد الأسرة الواحدة.. بين الجيران فى السكن والأرض الزراعية والمحلات التجارية.. بين الزوج وزوجته وأمتدت إلى أهلها فسادت القطيعة.. فقلما تجد بيتا الآن تعلوه روح المودة والرحمة والترابط الأسرى.
أوضاع المجتمع.. كلها تدعو للحسرة.. يسيطر عليها الشحناء والبغضاء.. والخلافات فى البيوت ومقار العمل.. شغلتنا الدنيا وانتصرنا لهوى النفس والشيطان، حتى المناقشات فى الأمور الحياتية والتافه منها الرياضية تنتهى معظمها بمشادات وتراشقات وسباب بين الجماهير المصرية ويستغل تجار الفيسبوك الأمر لركوب ما يسمى الآن التريند وتحقيق أعلى نسب مشاهدات ولتذهب أواصر الصداقة والمحبة والمودة والأمن المجتمعى إلى الجحيم.
إن المجتمع بصفة عامة والبيوت والأسر المصرية بصفة خاصة فى حاجة ماسة إلى مراجعة الضمير وعدم الانسياق وراء شهوات النفس العدوانية الأمارة بالسوء واستغلال مواسم الخير والطاعات فى فتح صفحة جديدة تعلوها روح التسامح والمحبة والمودة والعفو والرحمة.
والأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس تعيش هذه الأيام الفاضلة من شهر شعبان المبارك أجواء روحانية مليئة بالنفحات الربانية.. فيها ليلة النصف من شعبان يطلع الله عز وجل فيها إلى جميع خلقه فيغفر لهم إلا لمشرك أو مشاحن.. فتعالوا نطرد الشيطان وننهى حالة القطيعة والخصام مهما كانت الأسباب ونطلب من الله العفو والغفران.. فما فائدة صيام وصلاة وأنت قاطع رحمك.. بينك وبين إخوتك خلافات لا كلام ولا سلام.. بينك وبين جارك خصومات وشكاوى فى أقسام ومراكز الشرطة والنيابات وقضايا فى ساحات المحاكم.. رغم أن الحق واضح ولكنها النزاعات الإنسانية التى تميل إلى العدوانية والنرجسبة.
تعالوا فى هذه الليلة الطيبة نعود إلى الله ورسوله ونبادر إلى إنهاء الخصومات ونسير على نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم في التسامح لنكون من الفائزين بعفو الله فرسولنا الكريم كان متسامحا.. ومن صور تسامحه مع المسيء؛ ما رواه أنس رضي الله عنه أنّه قال: «كُنْتُ أَمْشِي مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعليه بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عَاتِقِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أَثَّرَتْ به حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قالَ: مُرْ لي مِن مَالِ اللَّهِ الذي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ له بعَطَاءٍ».
إننا بحاجة ماسة إلى التسامح والعفو ليس من أجل منافع دنيوية ومصالح شخصية ضيقة.. وإنما رجاء مغفرة الله وعفوه.. فاعفوا واصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟!
اغلقوا باب تصفية الحسابات ابتغاء مرضاة الله ورسوله..
انتصروا على هوى النفس والشيطان وتصالحوا مع الإخوة والأخوات والجيران والأصدقاء..
ولا تنظروا لمن يقول أن هذا ضعفا وضياعا للكرامة..
إنما هو التسامح والعفو والقوة في أسمى معانيها..
وليكن دافعك لهذا صلة الرحم التى أمرنا الله ورسوله بها..
ليكن دافعك لهذا الخوف من الله وأن يأتيك الموت فجأة فتلقى الله وأنت على قطيعة مع أخيك أو أختك أو جارك وساعتها لن ينفع الندم أو التعلق بالنعش والبكاء على القبر.
واختم بالأحاديث التي وردت فى فضل ليلة النّصف من شعبان ما رُوِي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه «يطَّلِعُ اللهُ إلى جميعِ خلقِه ليلةَ النِّصفِ من شعبانَ، فيَغفِرُ لجميع خلْقِه إلا لمشركٍ، أو مُشاحِنٍ». وكذلك ما رُوِي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من اللَّيلِ يُصلِّي، فأطال السُّجودَ حتَّى ظننتُ أنَّه قد قُبِض، فلمَّا رأيتُ ذلك قُمتُ حتَّى حرَّكتُ إبهامَه فتحرَّك فرجعتُ، فلمَّا رفع إليَّ رأسَه من السُّجودِ وفرغ من صلاتِه، قال: يا عائشةُ -أو يا حُميراءُ- أظننتِ أنَّ النَّبيَّ قد خاس بك؟ قلتُ: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، ولكنَّني ظننتُ أنَّك قُبِضْتَ لطولِ سجودِك، فقال: أتدرين أيُّ ليلةٍ هذه؟ قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: هذه ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يطَّلِعُ على عبادِه في ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ، فيغفِرُ للمُستغفِرين، ويرحمُ المُسترحِمين، ويؤخِّرُ أهلَ الحقدِ كما هُم».






